وول ستريت جورنال: ترامب يتجه لوقف الحرب على إيران حتى مع بقاء مضيق هرمز في قبضة طهران

تقارير | بقش
في تحول دراماتيكي يعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن توجه مفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإنهاء الحملة العسكرية ضد إيران حتى مع استمرار إغلاق مضيق هرمز. هذا القرار، الذي جاء بعد تقييمات تفيد بأن محاولة فتح الممر المائي بالقوة ستدفع الصراع لتجاوز إطاره الزمني المخطط له سلفاً بين أربعة إلى ستة أسابيع، يعكس رغبة واشنطن في الاكتفاء بتحجيم القدرات البحرية والصاروخية لطهران، وترك عبء تأمين حركة التجارة العالمية لحلفائها.
وتتجلى حالة التخبط في الإدارة الأمريكية من خلال التناقض الصارخ بين التصريحات الدبلوماسية والتحركات على الأرض. فبينما يطالب ترامب الدول الأوروبية والخليجية بتولي زمام المبادرة واستعادة السيطرة على المضيق بأنفسهم، تشهد المنطقة حشوداً عسكرية أمريكية غير مسبوقة. حيث دخلت حاملة الطائرات “يو إس إس طرابلس” ووحدة المشاة البحرية الحادية والثلاثين إلى مسرح العمليات، بالتزامن مع أوامر بنشر عناصر من الفرقة 82 المحمولة جواً، ودراسة خطط لإرسال 10 آلاف جندي بري إضافي.
هذا التباين في الاستراتيجية يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار قاسٍ. فالإدارة الأمريكية، التي بدأت الحرب بأهداف محددة، تجد نفسها الآن أمام أزمة طاقة عالمية تتسع رقعتها يومياً. وبدلاً من إيجاد حل جذري، تكتفي واشنطن بتوجيه دعوات لشركات الشحن للمخاطرة بعبور المضيق الملغم، محملة دولاً أخرى، مثل المملكة المتحدة، مسؤولية التقاعس عن الانضمام للمهمة العسكرية، وموجهة رسالة قاسية لحلفائها مفادها أن الولايات المتحدة لن تتدخل لحماية نفطهم بعد الآن.
شريان الطاقة المقطوع: أرقام تنذر بكارثة اقتصادية شاملة
لا يمكن التقليل من حجم الكارثة الاقتصادية الناجمة عن إحكام إيران قبضتها على مضيق هرمز، فالأرقام تتحدث عن نفسها بلغة تنذر بالخطر. يمثل هذا الممر الحيوي نقطة عبور لنحو 20% من إمدادات النفط العالمية. وتزداد الصورة قتامة عند النظر إلى الأسواق الآسيوية التي تعتمد بشكل شبه كلي على هذا الشريان؛ فوفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، اتجهت 84% من صادرات النفط الخام و83% من شحنات الغاز الطبيعي المسال العابرة للمضيق في عام 2024 إلى دول آسيا، مما يفسر حالة الاختناق السريع التي أصابت اقتصادات كبرى في القارة.
التداعيات الفورية لهذا الإغلاق انعكست بوضوح على شاشات التداول، حيث سجل خام القياس الأمريكي إغلاقاً فوق حاجز الـ 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ عام 2022. وفي هذا السياق، نقلت “وول ستريت جورنال” عن محللين ماليين تحذيرات شديدة اللهجة من احتمالية قفز الأسعار إلى مستويات تاريخية قد تلامس الـ 200 دولار للبرميل إذا استمرت حالة الشلل في الممر المائي.
هذه القفزات السعرية تفند ادعاءات بعض المسؤولين الأمريكيين بأن السوق “مزودة جيداً”، وتؤكد تحذيرات الخبراء بأن أسواق الطاقة عالمية ومترابطة ولا يمكن عزل أي اقتصاد عن تداعياتها.
ولم تقتصر الأضرار على قطاع المحروقات فحسب، بل امتدت لتضرب سلاسل توريد حيوية أخرى تعتمد على استقرار الملاحة في الخليج. فالصناعات العالمية باتت تعاني من نقص حاد في مواد أساسية لا غنى عنها، بدءاً من الأسمدة الضرورية للقطاع الزراعي والأمن الغذائي العالمي، وصولاً إلى غاز الهيليوم الذي يشكل عصب صناعة الرقائق الإلكترونية والكمبيوتر. هذا الشلل المتعدد الأبعاد يؤكد أن إغلاق المضيق ليس مجرد أزمة نفطية، بل هو أزمة سلاسل إمداد شاملة تهدد بدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي عميق.
الانسحاب التكتيكي وحلفاء في مهب الريح
يعكس النهج الأمريكي الجديد تغيراً جذرياً في قواعد الاشتباك والتحالفات الاستراتيجية. فقد صرح ترامب بوضوح أن حماية المضيق هي مسؤولية الدول التي تعتمد عليه، قائلاً بلهجة حادة لحلفائه: “اذهبوا واحصلوا على نفطكم بأنفسكم”.
ورغم تعهد نحو 40 دولة، بما فيها بريطانيا وفرنسا وكندا، بالمساهمة في تأمين المرور الآمن، إلا أن غياب المظلة الأمريكية الشاملة يترك هذه الدول أمام تحدٍ أمني ولوجستي هائل لمواجهة الترسانة الإيرانية في مياه الخليج.
وتبرر واشنطن هذا الانسحاب التكتيكي من مهمة فتح المضيق بافتراض أن تدمير الأهداف العسكرية الاستراتيجية الإيرانية سيؤدي تلقائياً إلى تقويض سيطرتها على الممر المائي.
ويرى مسؤولون أمريكيون أن تركيز القوة النارية على إضعاف البحرية الإيرانية والصناعات الدفاعية والقدرات النووية، سيجعل طهران عاجزة تدريجياً عن فرض حصارها. ومع ذلك، فإن هذا الرهان يتجاهل القدرة التدميرية العالية للأسلحة غير المتماثلة، كالألغام البحرية، التي أثبتت فعاليتها في شل حركة الناقلات العملاقة.
وفي ذروة هذا التناقض، تلعب الإدارة الأمريكية لعبة خطرة بين التصعيد والمساومة. فمن جهة، يدرس البيت الأبيض تنفيذ مهمة بالغة التعقيد للسيطرة على يورانيوم النظام، مع تلويح ترامب باستهداف البنية التحتية الحيوية، بما فيها جزيرة خارج، المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني.
ومن جهة أخرى، يتم تفسير السماح بمرور عدد محدود من السفن كبادرة قد تفتح باباً للدبلوماسية. هذا التأرجح يعكس غياب رؤية استراتيجية واضحة للتعامل مع واقع ما بعد إغلاق المضيق.
تمثل المعطيات التي أوردتها صحيفة “وول ستريت جورنال” إقراراً ضمنياً، وإن لم يكن معلناً، بالخطأ الفادح الذي ارتكبته الإدارة الأمريكية وحليفتها الإسرائيلية. إن ما بدأ كـ “مقامرة” غير محسوبة من قبل ترامب و”مغامرة كارثية” هندسها بنيامين نتنياهو، تحول إلى مستنقع استراتيجي لم تُحسب عواقبه ولا أبعاده المعقدة. لقد بات الوضع الإقليمي والدولي اليوم أسوأ من أي وقت مضى؛ فبدلًا من كسر طهران، نجحت الأخيرة في إغلاق مضيق هرمز وإحكام قبضتها على عنق الاقتصاد العالمي.
وفي خضم هذا التخبط، وجدت دول الخليج نفسها تدفع الفاتورة الأبهض، متكبدة خسائر اقتصادية وعسكرية فادحة نتيجة تعطل صادراتها الحيوية وتحول مياهها إلى ساحة صراع مدمر.
إن التراجع الأمريكي عن فتح المضيق ليس مجرد تغيير في التكتيك، بل هو تأكيد صارخ على فشل الرهانات العسكرية المتهورة التي أغرقت المنطقة والعالم في أزمة طاقة قد تمتد تداعياتها لسنوات قادمة.


